شعار الموقع
العربية | 中文 | English

مدينة شنزن الصينية عاصمة الحاسوب ووادي سيليكون الشرق

2025-11-09

هذه المدينة (شنزن)، أو كما يحب الصينيون أن ينطقوها (تشينجين) كل تاريخها قادم من المستقبل، من عالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من صناعة الرقائق الإلكترونية وأجيال أشباه الموصلات. مدينة تتكأ على بلورات السيليكون والجرمانيوم وأكسيد الغاليوم، كل شيء فيها متفرد حتى متاحفها تعاكس فكرة المتاحف في العالم أجمع، ففي حين نزور متاحف العالم لنرى القليل من الماضي فإن متاحف شنزن تعبر بنا الزمكان لنعيش جزءًا من المستقبل.

وككل المدن العصية على الاكتشاف من زيارة واحدة أو اثنتين أو حتى ثلاث، أجبرتنا شنزن على زيارتها خمس زيارات في ثلاثة فصول، وفي كل زيارة كانت شنزن تكشف لنا عن جانب من جوانب تفردها.
في وسط المدينة يخيل إليك أنك انتقلت للعيش بداخل دائرة كهربائية كبيرة؛ فكل مبنى هنا فريد في التصميم والبصمة والإيحاء، في شنزن تتكامل الأشياء لتخدم إنتاج وتجارة البرمجيات والإلكترونيات، حتى بوذا في هذه المدينة وجدته مبتسمًا يتاجر في الإلكترونيات ويبحث عن أفكار لتطوير البرمجيات والرقائق، تخلى عن فكرة القداسة والروحانيات وصار تاجرًا ومبرمجًا أكثر واقعية ونشاطًا فها هي تماثيله في واجهة المحلات والمؤسسات تظهره إما حاملًا جهاز حاسوب أو مكثف عالي السعة.
قرية «باو آن» الفقيرة التي يقطنها الصيادون والتي لا يتجاوز إجمالي عدد السكان بداخلها 18500 نسمة حتى العام 1979م، هي اليوم مدينة شنزن التي تعد واحدة من أكبر المناطق الاقتصادية في الصين والتي يتجاوز عدد سكانها 13.5 مليون نسمة ومستوى المعيشة فيها يعد من الأعلى رفاهية على مستوى العالم وعاصمة للرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات في الصين. قرية باو آن باتت الآن مدينة شنزن التي تومض على مساحة تتجاوز 2500 كيلومترًا مربعًا تمتد أغلبها بمحاذاة نهر اللؤلؤ.

مدينة الاحتمال الثاني 
ومن عوامل تفرد هذه المدينة أنها لم تمر بمراحل النمو التي تمر بها سائر المدن في رحلتها نحو التطور؛ فهي لم تولد وتنمو وتكبر بل ولدت كبيرة وعملاقة ولدت بعملية قيصرية أجراها مهندس لا طبيب، كبير مهندسي منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ الذي عاش في الفترة (1904م -  1997م)، وكان قد قدم اقتراحًا إلى اللجنة المركزية للحزب عام 1979م بإقامة منطقة شنزن الاقتصادية الخاصة، لتكون بديلًا لهونغ كونغ في حال فشلت المفاوضات مع الحكومة البريطانية لاستعادة جزيرة هونغ كونغ الاستراتيجية، وكانت هذه المفاوضات قد اتخذت مسارًا أكثر حدة مع نهاية سبعينيات القرن المنصرم، مما جعل دينغ شياو بينغ وإدارته أكثر حرصًا على إنشاء مشروع شنزن الاقتصادي ودأب على زيارة سنوية للمنطقة أثناء إنشائها، حيث اعتبر إنشاء هذه المنطقة الاقتصادية الحديثة من أهم الأوراق في ملف المفاوضات الماراثوني الذي جمعه ومارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا حينها، وكان دينغ قد طرح نظريته المبنية على أهمية انفتاح الصين على العالم الخارجي وتطبيق مبدأ «دولة واحدة ونظامان». 
أنا الآن في الطابق الـ69 من مبنى دي وانغ مانشن في أطراف شنزن المطلة على هونغ كونغ، من هذا المكان أرى بوضوح أضواء المباني في هونغ كونغ، وعلى يميني مجسمات بأبعاد حقيقية لصورة التقطت في بكين عام 1982م للرئيس الصيني حينها دينغ شياو مع مارغريت تاتشر في الجلسة التفاوضية الشهيرة، التي فيها قال دينغ لتاتشر عبارته الشهيرة: «دعينا نتفق على أن هونغ كونغ صينية، وأنها يجب أن تعود للسيادة الصينية، ثم لنتفاوض في بقية التفاصيل»، كان دينغ يومها يفاوض من مصدر قوة ويتذكر الاتفاقيات المذلة، تلك التي تنازلت الصين بموجبها عقب حرب الأفيون الثانية (1856م - 1860م) عن هذه الجزيرة المحورية لصالح بريطانيا، كانت اتفاقية نانجينغ عام 1842م هي التي مهدت للسيطرة البريطانية التامة على إقليم هونغ كونغ وكانت هذه الاتفاقية هي المعاهدة الأولى في سلسلة من المعاهدات غير المتكافئة التي استهدفت الصين، وكان البريطانيون يومها أقوى ميدانيًا، لذلك لم يقدموا أي تنازل يذكر في هذه المعاهدات، اليوم يفاخر الصينيون بالمشوار الطويل الذي قطعوه في سبيل إعادة هونغ كونغ ومكاو وغيرها من أراضي الصين إلى السيادة الصينية، يتذكرون القائد البريطاني المفاوض هنري بوتينجر ويتمنون أنه بقي ليقابل دينغ شياو لتكون واحدة بواحدة. اليوم هاهي شنزن تزهو بكونها إحدى الأوراق المهمة التي أسهمت في إعادة الجزيرة المسلوبة إلى الوطن الأم.

نافذة العالم والهندي الأحمر 
هذه الإحداثيات الاستراتيجية الواقعة بين قوانغتشو وهونغ كونغ وهذا المناخ المشبع بكل هذا الأكسجين القادم من كل هذا الاخضرار الناشئ عن أنهار شنزن الخمسة (نهر فو تيان – نهر دان شويه – نهر تشينتشين – نهر ماو جوو – نهر شين جو ) يجعل من المدينة واحدة من أنقى مدن الصين وأكثرها قدرة على توفير حياة مدنية عالية الجودة، حيث إن النشأة الحديثة لشنجن قد مكنت مخططيها من تصميم شوارع واسعة ومساحات هائلة للحدائق والمتنزهات حتى أنك إذا تحدثت في الصين عن مدينة الحدائق فلن يُترجم حديثك إلا إلى مدينة شنزن، وحدائق شنجن ليست ككل الحدائق فها نحن الآن نتجول في حديقة نافذة العالم، هذه النافذة التي تمنحنا إطلالة حقيقية على أعرق وأشهر المناطق على كوكبنا، هذه الحديقة مكنتنا من الانتقال من الأقصر في مصر إلى الشانزليزيه في باريس مشيًا على الأقدام، وفي مدخل نافذة العالم هذه حيث تقاطر المئات من الزوار ومع الخطوات الأولى لاقترابنا من هذا الكوكب المصغّر تصبح الموجات الصوتية أكثر وضوحًا، موجات صوتية لطبول إفريقية تليها موسيقى شركس ويتبعها لحن من الوتر الخامس للصينيين، وشيء من غناء ورقص السلافيين، وتتوالى الأغاني والرقصات، الجميع يرقص، على المنصة رقص، وفي ساحة المشاهدة رقص، تنتهي رقصة لتبدأ أخرى وكأن الرقص هنا هو أعظم لغة كونية مشتركة، أجتهد في محاولة التقاط صورة فوتوغرافية توثق اللحظة فأفشل، ألجأ إلى محاولة اقتناص صورة لفظية تختزل المشهد فأفشل أيضًا، لكنني أرى الآن أمة من الناس في هذه الحديقة تتنزل عليهم البهجة وتحيتهم فيها رقص.
في نافذة العالم هذه يحدثك مسؤولوها بزهو عن أنه حتى وإن زرت كثيرًا من مدن العالم ووجدت أفكارًا مشابهة أو مستنسخة لهذه الحديقة، فتذكر جيدًا أن الفكرة الأم كانت هنا، والبداية من هنا، والبقية هم أبناء هذه الحديقة في أحسن الحالات، أو مجرد صدى صوتها فقط، يلحظ هذا الإداري عدم ارتياحنا لمبالغته في الاعتزاز بفكرة الحديقة وآليتها، فيلجأ إلى أن يشرح لنا بمزيد من التفصيل عن أنه ليس من السهل استنساخ معبد حتشبسوت بأبعاده وتفاصيله كلها، لكننا هنا فعلنا ذلك.
أهرامات الجيزة هنا وأبوالهول بحجمه الكامل وبندوب الـ7000 عام على وجهه وجسده أيضًا، من أمام أبي الهول هذا أفتح تطبيق الويشات وأجري مكالمة فيديو مع صديقي المصري عبدالمنعم، يتفاجأ بالصورة، ويتساءل: 
- «يا نهار ابيض! أنت في مصر؟». 
أرد عليه بتحريك الكاميرا لتلتقط المشهد كاملًا بحيث تظهر الأهرامات وتظهر شنزن وبقية التفاصيل، وفي لحظات صمته أقول له: الصينيون نقلوا أبا الهول والأهرامات، لا نحتاج لزيارة الجيزة، أردتها مزحة لكن المصري غالبًا يحب الفكاهة والمزاح إلا في أمور كهذه، إذ كيف لأحد أن يستنسخ الأهرامات وأبي الهول أو يصنع مثلها، شعرت بتضايقه وقلقه الفعلي وهو يردد «يا صاحبي هم الصينيين قلدوا كل شيء حتى الأهرامات؟» ويضيف: «طيب هم كاتبين عليها إن أصلها في مصر والا مش كاتبين شيء؟». 
أطمئنه «بأنهم كاتبين كل شيء عن أصلها المصري» وأن الأمر يخدم مصر والسياحة في مصر، فيطمئن قليلًا ونتشارك الضحك ويكرر أسئلة تنبئ بأنه ما زال قلقًا. 
أمر ببرج إيفل وأتسوق في الشانزليزيه وألتقط صورًا لزوار بالقرب من برج بيزا، أدخل المعابد الرومانية وتتطاير قطرات من شلالات نياجرا الشهيرة لتنعشنا، نمرُ بتمثال الحرية في نيويورك والبيت الأبيض في واشنطن ومعالم وتراث وصحراء وثلوج وكل هذا التنوع الذي يشعرنا فعليًا بأن كوكب الأرض قد انكمش حتى غدا في مساحة هذه الحديقة الأنيقة، وحده هذا الهندي الأحمر أجبرنا على الجلوس، كان قد سبقنا للجلوس في هذا المكان القصي من الحديقة عشرات الزوار، لا بد أنهم أكثر خبرة منا في زيارة هذه الحديقة أو أنهم خططوا جيدًا لزيارتها فهم يعرفون أين يعبرون سريعًا وأين يجلسون للاستماع والتعلم، ولأن الجلوس معدٍ في مثل هذه الحالات، فقد جلسنا نحن أيضًا، رقص هذا الهندي الأحمر، وفي رقصته شيء من الثورة والحنين والغبن، وبعد الرقصة شرع في محاضرة تاريخية لتاريخ الهنود الحمر وكيف سلبت منهم أرضهم! في هذا الركن عرفت الآن لماذا يجلس كل هؤلاء، لقد كانوا بانتظار هذه المحاضرة الأكاديمية التاريخية الفائقة، هذا الراقص المحاضر كان مذهلًا في رقصه وأدائه الأكاديمي، وفي قدرته على جعلنا جميعًا نصطف بجانب الهنود الحمر في مأساتهم البالغة الغبن.

العاصمة الصينية للتكنولوجيا الفائقة 
ليس بعيدًا عن حديقة نافذة العالم وفي وسط المدينة وأسواقها لن يستغرق منك الأمر أكثر من دقائق لتكتشف تفرد هذه المدينة، ففي حين تتّواءم في عينيك أغلب مدن الصين الجديدة نظرًا لتقارب تصاميم شوارعها واستنساخ مجمعاتها السكنية ومؤسساتها إلا أن شنزن متفردة عمارةً وأسواقًا، حيث شنزن فعليًا مدينة من المستقبل، عن تكنولوجيا هذه المدينة وميزاتها التي جعلتها العاصمة الصينية للتكنولوجيا الفائقة يمكننا أن نبدأ من الأسفل من الجذور تحديدًا، من مدارس شنزن الابتدائية والمتوسطة حيث تتمتع أغلب مدارس المدينة بفرص كبيرة للاستفادة من الأساس التقني القوي لهذه المدينة، فمثلًا في مدارس شنزن يخلقون مواقف جديدة تجاه العلامة التجارية، وذلك باتباع نهج مبتكر لريادة الأعمال في المدارس، بحيث يتبنون برامج شاملة للطلاب تبدأ بتدريبهم على إتقان مهارات حرفية يعملون على تطويرها ويضعون عليها بصمة عالمية سواء على الفكرة أو على المنتج، وهكذا يتعلم الجيل الجديد من المصممين والمطورين والمبرمجين عبر هذه البرامج كيفية البناء على المعرفة التي يكتسبونها وتطبيقها على منتجات جديدة وملهمة من خلال الجمع بين التفكير الأصلي والتطورات التكنولوجية مما يمكنهم لاحقًا من التأثير في مختلف الأفكار والمشاريع والمنتجات بطرق تتجاوز الصين وتغذي الأسواق العالمية، هذه واحدة من الإرشادات التي نلتقطها في شنزن، وما أكثر ذبذبات شنزن التقنية والتكنولوجية! 
زيارتنا لمتاحف شنزن تنقلنا إلى المستقبل أكثر من الماضي، الروبوتات في هذه المدينة تدلنا، تخدمنا، تتنبأ بما نحتاجه وتراقب جيدًا ما نفعله. من الإجابة على استفساراتنا عند سؤالنا عن مميزات السلع وأسعارها وحتى إيصال الطعام والحاجيات إلى غرفنا في الفندق وحتى الاتصال الآلي بنا وتقديم المشورات السياحية والمقترحات. 
أنت في شنزن محاط بالروبوتات أدلة وخدمًا ومراقبين، إن كانت لديك الفراسة لقراءة العيون أيها الزائر الكريم، فلا شيء لتقرأه في عيون هذه الروبوتات إلا عبارة واحدة «إنك بأعيننا». 
أيتها الروبوتات يا ذات العيون المزروعة بالكاميرات فائقة الدقة أتهديد أم ترحيب ما نقرأه في عينيك؟
في بلادي العربية نقول ترحيبًا وإكرامًا للقادم: أنت في عيوننا، وحينما نريد أن نهدد شخصًا ما أو نقول له إنه لن يفلت منا نكتفي بإشارة نضغط بها على أحد العينين لنقول له أنا أراقبك ولن تفلت من المراقبة، يبدو أن الأمر كذلك بالنسبة لك أيضًا. 
ومما تفاخر به هذه المدينة أنها واحدة من أهم قواعد صناعة وتطوير طائرات الدرونز على مستوى العالم، من هذه المدينة صارت الطائرات بدون طيار منتجًا عاديًا متاحًا للجميع بعد أن كان إبان الهيمنة الغربية عليه شيئًا محاطًا بالقداسة والهيبة والاقتران العسكري، هنا حيث الدرونز بمختلف أحجامها وأغراضها منتجات عادية للتصوير ولرش المبيدات ولنقل الطعام ولتلطيف الجو! 
أسواق هذه المدينة تعيد برمجة ذهنك وفكرك عن كثير من الآلات والمكائن، حيث التكنولوجيا والدوائر المتكاملة تبسط لك الأشياء. زرنا معرضًا متخصصـًا في منتجات الطباعة والدعاية وخرجنا وقد غير الكثير من تصوراتنا، إذ رأينا آلات صغيرة حجمًا وقليلة تكلفة تقوم بأعمال كنا نعتقد سلفًا أن لا شيء يمكنه القيام بها سوى تلك التركيبة المعقدة من خطوط الإنتاج الضخمة حجمًا وتكلفة، أمامي الآن آلة طباعة لا يتجاوز حجمها 1 متر مكعب تقوم بعمل لم نكن نستطيع إنجازه قبل أعوام إلا بمكائن أوفست باهظة الحجم والتكاليف! 
هنا يكفي أن تلتفت يمينًا أو شمالًا أو حتى دون أن تحتاج إلى أن تلتفت لترى مقرًا رئيسًا لإحدى شركات التكنولوجيا والإنترنت كبيرها والناشئ، الألياف الضوئية، وإنترنت الأشياء، والأجزاء الإلكترونية الأكثر أهمية في أغلب الأجهزة، أغلبها مر من شنزن بطريقة أو بأخرى، هذه المدينة تقود التقنية في الصين وتستمر في إثبات أحقية القيادة، هذا عبر مجموعة من البنى الفوقية والقانونية التي تقدم مزايا استثمارية وإعفاءات ضريبية لرواد الأعمال والشركات المتخصصة والمتبنية للأفكار والمنتجات التقنية، وكل ما له صلة بالمستقبل التقني. 

التقنية في خدمة الطبيعة 
شنزن مدينة لم تزدها التكنولوجيا إلا جمالًا، فقد تمكنت باكرًا من توظيف التقنية لخدمة الجمال، المدينة معبدة بالورد شوارع ومباني، ومسقوفة بفسيفساء من مصابيح النيون، وفيها يتكاثف الجمال في حدائقها وشواطئها، ولشواطئ شنزن وأنهارها الخمسة حواف من رقة الطبيعة ودقة تنظيم الإنسان الصيني فعلى كل شاطئ وحافة هنا ثمة مرح وصيد ونزهة، فالمنحنى الساحلي لشنزن والذي يتعرج على طول يتجاوز 275 كيلومترًا يقدم شواطئ عالية الجودة ونمط حياة حضري نابض بالحياه وسواء كنت في شاطئ سيتشونغ أو شاطئ دونغ يونغ أو حتى شاطئ جوي داو، فلكل منها صفات مميزة تتفرد بها وتشترك كلها في بحر أكثر زرقة من كل بحار الصين، ورمال يخيل إليك أنها في اللحظة الأخيرة لتتحول إلى كوارتز.
يبدأ ليل شنزن إلا أن العدد الهائل من الشاشات الرقمية، وخاصة منها ثلاثية الأبعاد التي تُطلى بها المباني وتتصدر الساحات العامة ومسارح الهواء الطلق، هذه الشاشات تحيل ليل شنزن إلى كمات من الفوتونات الضوئية التي تبعث الروح في مساءات المدينة، نحضر عرضًا سينمائيًا في ساحة عرض مفتوحة موجودة بداخل القرية الثقافية المفتوحة، يكاد مدرجها الذي يسع الآلاف يستوفي طاقته الاستيعابية الكاملة وفي هذا العرض المسائي يتداخل علينا الواقع بالافتراضي، ففي حين يكون الممثل والعارض على الشاشة، يخرج منها إلى المنصة حتى أنه يمكننا أن نصعد لتحيته والسلام عليه ثم يعود إليها لاستكمال العرض بخفة إخراجية ومهارية بالغة الدقة، ومما يزيدنا احترامًا لهذه المدينة أن ساحة عرض بهذه الروعة والألق تجهيزًا ومحتوى، هذه الساحة مفتوحة للجميع وبدون أي رسوم أو إجراءات دخول.
حينما تكون في شنزن أنت في الحقيقة في وادي السعادة، وهذا الاسم هو الترجمة الحرفية الفعلية لمصفوفة المساحات الخضراء وحدائق النباتات ونافذة العالم التي تشكل في مجملها منتزه ونجونشان الوطني الذي تمكّن فعليًا وبمساعدة بحيرة العسل وجبال ووتونغ وشواطئ والخيال البيئي لمهندسي المدينة من تحويل متراجحة الطبيعة والمدينة إلى معادلة متكافئة متجانسة إذ لا تضاد هنا أبدًا بين المدينة والطبيعة. 
ثلاثة أرباع المساحة الكلية للمدينة مع ضواحيها تلبس الرداء الأخضر، وهذا الكسر الرياضي البسيط يكفي للتعبير عن هذا التصالح الذي يجعلنا ننظر للتقنية والتكنولوجيا بعدسات شفافة جدًا بدلاً من تلك النظارات السوداء التي كنا نرتديها كلما تحدثنا أو كتبنا عن البيئة وعلاقتها بالتطور والصناعة والمستقبل.
في ركن شارع تشونغ ينغ الذي يمثل الحدود بين شنزن وهونغ كونغ دخلنا المتحف التاريخي حيينا التحف الفنية القديمة والتقطنا صورًا لوثائق وتماثيل وأبهرتنا الحرفية العالية المستخدمة في متاحف الصين ككل بقدرتها على توظيف أحدث التقنيات لخدمة أقدم الآثار، هذه الملاحظة تظهر في صور وابتكارات وتوظيفات في جميع المتاحف التي زرناها هنا ومنها المتحف المتخصص في الكهرمان، الذي تعتبر شنزن عاصمته في الصين أيضًا، فأحجار الكهرمان القادمة من شرق أوربا ومناطق مختلفة من العالم تصل هنا في سوق الكهرمان المركزي لتتحول إلى تحف وأشكال وأفكار نابضة بالحياة، تأتي أحجارًا وتغادر تحفًا ومجوهرات تضفي جمالاً وتدر أرباحًا. 
 وبرغم أنه حتى المأكولات في شنزن يمكنها أن تبهرك عبر ما يسمونه بالأطباق المستنبتة والابتكارات المضافة للأطباق الكانتونية التي تشتهر بها شنزن إلا أن هذه المدينة وفرت لنا أيضًا - على عكس أغلب مدن الصين - ترف اختيار أنواع الوجبات التي نريد تناولها، ففي المدينة العديد من المطاعم المتخصصة في الأكل العربي والتركي والهندي وغيرها.
نغادر شنزن وقد أترعتنا بشعور أننا فيها كنا قريبين من كل شيء، فهناك تشعر أنك قريب من البحر، قريب من الجبل، قريب من النهر، قريب من الماضي والحاضر، وقريب جدًا من المستقبل، قريب من الله أيضًا، فالمساجد والكنائس والمعابد كلها موجودة في شنزن، نغادرها وقد حقنتنا بكميات كبيرة من التفاؤل وحب المستقبل ففيها أيها الرفاق يبدو المستقبل جميلاً نظيفًا يسهم في زيادة جودة الحياه للإنسان والطبيعة، ويغرينا جميعًا بأن نذهب إليه بالكثير من الطمأنينة والقليل من الحذر .

بواسطة صالح حسن أبوعسر
المصدر: مجلة العربي


أخبار ذات صلة